
أربعة عشر عامًا.. وما زلنا السند والأهل!
لم نكن أبطالًا.. كنا مجرد حالمين!
حملنا حلمنا معنا إلى الغربة.. أجسادنا على مقاعد الدراسة، وقلوبنا هناك، على حدود بلادٍ تُقصف كل يوم..
كنّا نستيقظ على فواجع الوطن قبل أن نستيقظ على أنفسنا.. نُقلّب الأخبار بقلوب ترتجف، ونفتّش بين أسماء المدن كمن يبحث عن ملامح أحبّته: أيُّ أرضٍ دمّرها القصف هذه المرّة؟ وأين سقطت حمم الموت؟ وأيُّ بيت أُطفئت فيه الحياة؟ وأيُّ اسمٍ سنبحث عنه طويلًا، قبل أن نسمعه في نعيٍ بارد؟
كنّا نرى الموت على شاشةٍ باردة، ونسمع الصراخ ولا نملك أن نُجيب، ونشهد انهيار الحياة في البلاد التي أحببناها، ولا نستطيع أن نمسك يدًا واحدة.. فكيف لنا أن نحلم بوطنٍ حرّ، ونحن نراه يُذبح أمام أعيننا، ونقف عاجزين عن انتشاله من بين أنياب الموت؟
ونسأل أنفسنا كل ليلة: ما الذي نفعله هنا؟
كان القهر أثقل من أن يُحتمل.. لم نملك مالًا ولا نفوذًا، ولم نملك إلا إيمانًا بالحرية، وتعلّقًا ببلادٍ يسكننا وجعُها ولا نعرف كيف نتركها.. ومن قلب هذا العجز، وفي لحظةٍ لم نعرف لها اسمًا، أكانت شجاعةً أم ضربًا من الجنون.. كتبنا منشورًا على فيسبوك!
منشورًا عفويًا نعلن فيه رغبتنا في شراء ألعابٍ لأطفال مخيّم الزعتري في العيد.
لم تكن مجرّد مبادرة.. كانت تمرّدًا على العجز، وانتفاضةً في وجه الوجع، وصرخةَ شبابٍ لا يستطيعون إيقاف الموت، فقرّروا أن يصنعوا حياة.
لكن، هل بدأت الحكاية من ذلك المنشور حقًا؟
لا.. بل بدأت قبله بقليل.
بدأت من شابٍّ حالمٍ اسمه ملهم الطريفي، آمن أنَّ لوطنه حقًّا في الحرية، فكان من أوائل من خرجوا يهتفون لها، حتى ارتقى شهيدًا في العاشر من حزيران ٢٠١٢.. لم يكن يعلم حينها أنَّ ذاك الحلم الذي سكن قلبه سيكبر من بعده، وأنَّ اسمه سيغدو شعلةً تُضيء دروب آلاف الحالمين، وأنَّ الأثر الذي تركه سيمتدّ إلى مدارس تُبنى، وبيوتٍ تُعمَّر، وأيتامٍ يجدون أمانهم، دون أن يرى كيف صار الحلم واقعًا وحياة..
وحين رحل، وجدنا أنَّ ما عجزنا عن فعله في الوطن البعيد، نستطيع أن نبدأه باسمه، وأن نصنع من وجع الفقد حياةً لغيرنا.. فحملناه في قلوبنا، وعاهدناه أن نُكمل ما لم يُكمله.. فلم يكن ملهم ذكرى نبكيها، بل وصيةً نمشي بها!
وكانت أولى خطوات الوفاء لهذه الوصية: مخيّم الزعتري.
ذهبنا إلى هناك نحمل ألعاب العيد، فعُدنا نحمل ما هو أثقل من أن تنساه الذاكرة: أطفالًا حفاة، وخيامًا متهالكة، وعائلاتٍ فقدت كل شيء، وشتاءً يطرق الأبواب.. عندها، لم تعد الحكاية حكاية ألعابٍ ولا ضحكات، بل حكاية وجعٍ أكبر منّا، ونداءاتٍ لا تحتمل الانتظار. وخلال أيامٍ قليلة، امتلأت هواتفنا بأرقامٍ جديدة؛ أناسٌ يطلبون المساعدة، وآخرون يريدون تقديمها.. مريضُ سرطان، وعائلةُ أيتام، وأبٌ بقدمٍ مبتورة، وأمٌّ أطفأ المرض نور عينيها.
وأدركنا حينها أنَّ من رأى الوجع مرّةً، لا يستطيع أن يتظاهر بأنّه لم يره.. فما بدأ منشورًا لم يبقَ مجرّد منشور، بل صار واقعًا يحتاج إلى أيدٍ كثيرة.
فمن أين جاءت الأيدي؟
لم نجتمع على طاولة، ولم يجمعنا قرارٌ ولا دعوة.. جمعنا الألم. كان كلُّ واحدٍ منّا يحمل قهرًا لا يجد متنفسًا له، فلمّا انفتح أمامنا بابٌ صغير.. تدفّق إليه كلُّ من اختنق بالعجز… فصرنا عشرات، ثم مئات، حتى تجاوزنا أربعمئة قلب، موزّعين على بقاع هذه الأرض.
وكان هذا هو السرّ.. فنحن لم نكن في مكانٍ واحد، ولا تحت سقفٍ واحد. جزءٌ منّا في الغربة، في ألمانيا وأمريكا وكندا وتركيا، يحمل الوطن في حقائبه، ولا يملك سوى شاشةٍ صغيرة وساعاتٍ تُسرق من النوم.. وجزءٌ آخر في الوطن، تحت القصف، وبين الخيام، وعلى أطراف الركام، يمدّ يده إلى الناس بنفسه.
ولم تكن المسافات يومًا قادرةً على أن تفرّقنا.. وإن باعدت بيننا آلاف الكيلومترات، فقد جمعنا وجعٌ واحد، وحلمٌ لم يتغيّر.. كنّا قلبًا واحدًا، وجسدًا واحدًا مقسومًا على قارات، يشعر بما يشعر، ويتألّم لما يتألّم.
وفي قلب هذا كله كانت مُدننا تقصف!
وحين اشتدّ القصف، وضاق بنا الألم من كل جهة، لم يكن أمامنا سوى أن نفعل ما نستطيع.. كنّا نُسعف الجرحى، ونمدّ أيدينا لمن يحتاجها، دون أن نملك وقتًا للخوف أو التفكير بما قد يحدث لنا.. حتى جاء يوم ٣٠ أيار ٢٠١٦، حين استُشهد متطوّعنا صفوان دعبول تحت القصف، وهو يساعد المدنيين والجرحى..
كان الخبر أثقل من أن يحتمله قلب الفريق.. حزن عليه من عرفه ومن لم يعرفه، وشعرنا يومها أن الفقد لا يعرف المسافات، وأن الموت قد يصل إلى أيٍّ منّا.. لكننا لم نتوقف؛ حملنا ما تركه صفوان، ومضينا في الطريق الذي كان يمشيه، وأكملنا ما لم يُمهله العمر ليُكمله.. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد اسمه مجرّد ذكرى، بل صار حاضرًا معنا في كل مهمة، وفي كل يدٍ نمدّها لإنقاذ حياة.
وما كان الموت وحده الذي يلاحقنا، فجاء التهجير، ولم يسأل أحدًا إن كان متطوعًا أم متضررًا.. ومن هذا التماسك، خرجت قدرتنا على مواجهة الشتاء.. حين غرقت المخيمات بالمطر والثلج، وارتجف الأطفال من البرد، كنّا أول من يلبّي النداء، في الأردن وعرسال والداخل السوري.
وفي شتاءٍ ثقيل، وصلنا نداءُ استغاثةٍ من داخل خيمةٍ مغطاة بالثلوج: "انقلونا على بيوت، الله يخليكم"!
فأطلقنا حملة "حتى آخر خيمة".. بقي الداخل على الأرض، والخارج على الهواتف والشاشات، حتى الخيمة الأخيرة.
لكن الخيمة لا تكفي، ولا تدوم.. فسألنا أنفسنا: لماذا نكتفي بالإغاثة ولا نبني؟ وكان جوابنا الذي رددناه جميعًا، من هنا ومن هناك: "بدنا نعمّرها".
فكان قسم المأوى، وكانت قرية ملهم.. الحلم الذي صار واقعًا. ثم جاءت أوتاد، وطمرة الخير، وسواسية، وغطاء الرحمة، والكوت السكني.. أكثر من ٢٠٠٠ منزلٍ للمهجّرين. وبنينا مدارسَ تضمّ أكثر من ٣٥٠٠ طالب، لأننا آمنا بأنّ التعليم هو الركيزة الأولى لبناء الأوطان. وكفلنا أكثر من ٤٥٠٠ يتيم، لنعلّمهم أنّ الأمان ممكنٌ حتى بعد الفقد.
كانت كلُّ لبنةٍ توضع ثمرةَ أيدٍ كثيرة، قد لا تلتقي في مكانٍ واحد، لكنها تلتقي في الحلم.. وكلّها من البيت نفسه.
ولمّا ظننّا أنّ هذه البلاد قد اكتفت من الموت، وأنّ الأرض التي أنهكها القصف لم يعد فيها ما تبكيه.. جاء الزلزال!
ففي ٦ شباط ٢٠٢٣، ارتجفت الأرض من تحت أقدامنا، في بلادٍ مثقلةٍ أصلًا بالقصف والدمار والتهجير.. أيتامٌ فقدوا آباءهم وأحلامهم، وأبنيةٌ سُوّيت بالأرض، وركامٌ وارى الأحباب..
وتكرر السؤال ذاته: إلى متى؟
لكننا تعلّمنا ألّا ننتظر، فالواقع لا يحتمل التأجيل، ولا يترك للألم متّسعًا إلا بقدر ما تسمح به الاستجابة.. كنّا إلى جانب فرق الإنقاذ، ندعم المشافي، ونؤمّن العمليات الجراحية العاجلة، ونسند العائلات المنكوبة.. وفي تلك الكارثة، فقدنا اثنين من متطوّعينا: آية الشريف ورعد القطيني. فبكاهما الفريق كلّه، من في الغربة ومن في الوطن.
وبعد الزلزال، عاد القصف من جديد، وبقينا هناك أيضًا، نعمل وسط الغبار والخوف.. لأنّ من ينتظر تحت الأنقاض لا يملك ترف الانتظار، ولأنّ واجبنا لم يكن ليسمح لنا بالتوقّف.
ومن بين ذلك الركام، وُلدت حملة "قادرون"!
بنينا البيوت على الأرض نفسها التي هدمها الزلزال، وفي ذكراه الأولى، استقبلنا أولى العائلات في مشروع هلال حارم، ثم في أرمناز وأعزاز.. لتجد أكثر من ألف عائلةٍ سكينتها من جديد. وأدركنا أن القلوب التي عرفت الفقد، أقدر على احتضان من ذاقوه.
ولهذا، لم يتوقّف عملنا عند حدود سوريا.. فمن عرف الوجع مرّةً، عرف كيف يصل إلى من يعيشه الآن. امتدّت أيدينا إلى ليبيا والمغرب وغزة والسودان واليمن، وفي كلّ مكانٍ كان فيه ألم، كنّا هناك.
وبعد أربعة عشر عامًا من الثورة، جاء يوم التحرير!
كنّا من أوائل من دخلوا المدن المحرّرة، لبّينا النداء، ووقفنا في الصفوف الأولى حين عادت العائلات إلى بيوتها. وبدأنا إعادة إعمار المدارس، وزرع الأمل في كل شبرٍ محرّر، لأنّ أول ما يُبنى بعد الخراب هو مقعد الدراسة..
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: من أين جاءت كل هذه الأيدي؟
اجتمعنا لأنّ الحلم أكبر من الأفراد، ولأنّ من يحمل الوطن في قلبه لا تفرّقه الحدود.. أكثر من أربعمئة متطوّع، ومن خلالهم وصلت إلينا التبرّعات من أكثر من مئة دولة، بأكثر من مليون تبرّع، حتى أصبحنا منظمةً خيريةً غير ربحية، مرخّصةً في ألمانيا والولايات المتحدة وكندا وتركيا.
أربعة عشر عامًا، كانت أمامنا فيها خياراتٌ كثيرة..
كان بإمكاننا أن نتعب، وأن نبتعد، وأن نكتفي بما أنجزناه، وأن ننجو بأنفسنا ونترك الحكاية لغيرنا.. لكننا كنّا نملك الخيار، وكان خيارنا دائمًا الوطن.
وللسؤال الذي رافقنا منذ يومنا الأول: إلى متى؟ كان جوابنا، وما زال.. إلى أن نصنع لهذه الأرض المتعبة حياة، وإلى أن نرى سوريا التي حملناها في تصوّرنا وأحلامنا.. واقعًا نعيشه!
فكل عامٍ ونحن لهذا الوطن يدٌ لا تتعب، وقلبٌ لا يتخلّى، ولأهلنا أبناءٌ لا يخذلون..

